فوزي آل سيف
67
كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام
فإذا كانت الدنيا بمثابة بحر عميق فإنك تحتاج فيها إلى سفينة صالحة، وإذا كان لكل سفينة قيّمٌ وملّاحٌ فإن قائد هذه السفينة هو العقل[139]. 5/ في ترتيب بديع قال الإمام عليه السلام لهشام: دليل العقل هو التفكر.. لكن كيف نحصل على التفكر؟ دليل التفكر هو الصمت، فإن من يكثر كلامه ولغطه لا يعطي لعقله فرصة للتفكر! وإذا كان كل شيء يحتاج لمطية تعينه وتنقله فإن مطية العقل هي التواضع. وفي أروع جمع لحجج الله على الخلق قال عليه السلام: إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة عليهم السلام، وأما الباطنة فالعقول.. فأعلى قيمة العقل لكي يساويه بالأنبياء والرسل والأئمة، ولكيلا تكون لأحد حجة في أنه لم يصله التوجيه الرسالي ما دام نداء العقل مصاحبا له أينما كان![140] 6/ في تعريف مختصر للعاقل ببعض صفاته قال: «إن العاقل (هو) الذي لا يشغل الحلالُ شكرَه، ولا يغلب الحرامُ صبرَه..» ويعود ليبين ما يهدم العقل ويلغي دوره فيقول إن تلك المهدمات هي: طول الأمل/ وكثرة الكلام/ وشهوات النفس.. فإذا اجتمعت هدمت العقل! «من سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما أعان على هدم عقله: من أظلم نور تفكره بطول أمله، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه، فكأنما أعان هواه على هدم عقله، ومن هدم عقله، أفسد عليه دينه ودنياه». 7/ ومن أهم علائم العقل: علاقة العبد بربه فإن كان مطيعا لربه فهو العاقل وإن كان مطيعا لهواه فيا ضيعة العقل! إن من أنس بالله ورغب فيما عنده كان الله صاحبه وغناه وعزه! لذا ترى الإمام عليه السلام يوصي تلميذه
--> 139 يا هشام ثم ذكر اولي الألباب بأحسن الذكر، وحلاهم بأحسن الحلية، فقال: {يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (269 البقرة). وقال {وَٱلرَّـٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (7 آل عمران) وقال: {إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (190 آل عمران). وقال: {أَفَمَن يَعۡلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ كَمَنۡ هُوَ أَعۡمَىٰٓۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (19الرعد) وقال {أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (9 الزمر). وقال: {كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ}ِ (29 الزمر). وقال: {وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡهُدَىٰ وَأَوۡرَثۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡهُدَىٰ وَأَوۡرَثۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ ٱلۡكِتَٰبَ ٥٣ هُدٗى وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (54 غافر) وقال: {وَذَكِّرۡ فَإِنَّ ٱلذِّكۡرَىٰ تَنفَعُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (55 الذاريات). يا هشام إن الله تعالى يقول في كتابه: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ} (37 ق) يعني: عقل، وقال {وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا لُقۡمَٰنَ ٱلۡحِكۡمَةَ} (12 لقمان)، قال: الفهم والعقل. يا هشام إن لقمان قال لابنه: تواضع للحق تكن أعقل الناس، وإن الكيس لدى الحق يسير، يا بني إن الدنيا بحر عميق، قد غرق فيها عالم كثير فلتكن سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها الإيمان وشراعها التوكل، وقيمها العقل ودليلها العلم، وسكانها الصبر. 140 يا هشام إن لكل شيء دليلا ودليل العقل التفكر، ودليل التفكر الصمت، ولكل شيء مطية ومطية العقل التواضع وكفى بك جهلا أن تركب ما نهيت عنه. يا هشام ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلا، وأكملهم عقلا أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة. يا هشام إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة عليهم السلام، وأما الباطنة فالعقول.